حسن الأمين

20

مستدركات أعيان الشيعة

وتقدم طغرلبك عن طريق حلوان فالنهروان ( 1 ) ، وفي يوم الجمعة لثمان بقين من رمضان سنة 447 ( 1055 م ) كان خطب له في جوامع بغداد بطلب من الخليفة ( القائم بأمر الله ) ، وذلك قبل ان يدخل بغداد ، إذ انه دخلها يوم الاثنين لخمس بقين من الشهر [ ] 447 . وقد ثارت عليه بغداد . ومن العجيب ان البغداديين من غير الشيعة كانوا أصحاب هذه الثورة . بقول ابن الأثير في تاريخه ( ج 9 ص 611 ط 1966 ) وسمع الناس الصياح فظنوا أن الملك الرحيم ( البويهي ) وعسكره قد عزموا على قتال طغرلبك فارتج البلد من أقطاره ، وأقبلوا من كل حدب ينسلون يقتلون من الغز ( جنود طغرلبك ) من وجد في محال بغداد . ويكمل ابن الأثير قوله : الا أهل الكرخ ( الشيعة ) فإنهم لم يتعرضوا إلى الغز ، بل جمعوهم وحفظوهم . ثم يقول ابن الأثير : وبلغ السلطان طغرلبك ما فعله أهل الكرخ من حماية أصحابه فأمر بإحسان معاملتهم . فأرسل حميد الملك الوزير إلى عدنان بن الرضي نقيب العلويين ( 2 ) يأمره بالحضور ، فحضر ، فشكره عن السلطان ، وترك عنده خيلا بأمر السلطان تحرسه وتحرس المحلة . إن ما يثير الاهتمام هنا ان زوال الحكم البويهي وحلول الحكم السلجوقي محله لم يقابل من السنيين بالترحيب ، ولا من الشيعة بالنقمة . فلدى وقوع سوء تفاهم بسيط بين جندي سلجوقي وبين بغدادي - كما يذكر ابن الأثير - صاح العامة بهم ( بالجنود السلاجقة ) ورجموهم وهاجوا عليهم . وهنا اعتقد الجمهور البغدادي السني ان الملك البويهي ( الرحيم ) قد عزم على الانتقاض على طغرلبك ، فهب هذا الجمهور لنصرته ، وانثال على الجنود السلاجقة يقتلهم حيث وجدهم . في حين ان سكان الجانب الشيعي من بغداد وهو الكرخ لم يشاركوا في هذه الثورة على السلاجقة وملكهم طغرلبك . بل عمدوا إلى تجميع الجنود السلاجقة عندهم وحفظوهم . لا يستطيع المؤرخ المنصف ان يمر بهذا الأمر مرورا عابرا فلا يثير انتباهه ولا ينفذ إلى ما وراءه من معان كثيرة . هذا يدل دلالة واضحة ان الحكم البويهي ( الشيعي ) لم يكن موضع استياء رعاياه السنيين ، ولم يقابل منهم بالسخط ، ولا قوبل زواله بالبهجة والاغتباط . بل إن الحال كان عكس ذلك تماما . بدليل ان البغداديين السنيين قد استغلوا سوء التفاهم البسيط بين الجندي السلجوقي وبين أحد البغداديين ليصيحوا بالسلاجقة ويرجموهم ويهيجوا عليهم . وان الجمهور البغدادي السني بمجرد ان استنتج من هذا الصياح والهياج ان الملك البويهي ( الرحيم ) قد عزم على قتال طغرلبك ، ارتج البلد بهم وأقبلوا من كل حدب ينسلون لنصرة الملك البويهي ، وأخذوا يقتلون جنود السلاجقة أينما رأوهم . وفي هذا دلالة قاطعة على أن البويهيين الشيعة لم يكونوا منحازين لفريق على فريق ، ولا محابين لأصحاب مذهب على أصحاب مذهب آخر ، بل كانوا حكاما عادلين ، فكان السنيون أكثر الناس أسفا لزوال حكمهم ، لذلك هبوا للثورة على أعدائهم ونصرتهم فيما حسبوه مقاومة منهم لهؤلاء الأعداء . اما الشيعة فلم يروا في زوال الحكم البويهي ( الشيعي ) خسرانا يجب الثورة على من سببه لأن هذا الحكم لم يكن يميزهم عن غيرهم في شيء ، بل كان حكما يتساوى فيه الناس وهم من بعض هؤلاء الناس . لذلك حموا الجنود السلاجقة ، ولم يشاركوا في الثورة على طغرلبك . وهذا يناقض كل المناقضة ما اعتاد بعض الناس على اثارته في كل مناسبة يذكر فيها البويهيون من عدم العدل في المعاملة بين رعاياهم المختلفي المذاهب . ثم يصف ابن الأثير ما جرى قائلا ( ص 611 وما بعدها ) : وأما عامة بغداد فلم يقنعوا بما عملوا ، حتى خرجوا ومعهم جماعة من العسكر إلى ظاهر بغداد يقصدون العسكر السلطاني ( السلجوقي ) ، فلو تبعهم الملك الرحيم وعسكره لبلغوا ما أرادوا ، لكن تخلفوا . اه . وهكذا نرى التصميم البغدادي السني على مقاومة الاحتلال السلجوقي ، فالاحداث الأولى كانت مع الجنود السلاجقة الذين دخلوا بغداد قبل وصول طغرلبك إليها ، اما الآن فإنه التصميم على قتال الجيش السلجوقي ومنعه من دخول بغداد . وقد استطاع الثوار أن يقنعوا جماعة من عسكر الحكم بالانضمام إليهم ، ولكن الملك الرحيم البويهي لم ينضم مع عسكره إليهم . وفي رأي ابن الأثير انه لو انضم الملك الرحيم مع قواته إليهم لأمكن صد السلاجقة عن دخول بغداد ولدام فيها الحكم البويهي . وهنا لنا ان نتساءل عن السبب في عدم انضمام الملك البويهي إلى الثائرين مع ما بدا من اندفاع البغداديين من تصميم على قتال السلاجقة ؟ ! ربما كان فيما يرويه الراوندي في ( راحة الصدور ) ( ص 169 ) هو العامل على عدم مشاركة الملك البويهي في قتال الملك السلجوقي . فالراوندي يقول إن تفاهما كان قد تم بين القائم بأمر الله وبين الملك الرحيم على تسليم الأخير بالأمر الواقع والرضا بالدخول السلجوقي إلى بغداد والتعاون معه على أن يخطب بعد الخليفة لكل من السلجوقي والبويهي على أن يبدأ باسم السلجوقي ثم البويهي . وهذا الاتفاق لم يشر اليه ابن الأثير . فإذا صح امره يكون هو المانع للملك البويهي عن المشاركة في قتال السلاجقة ، فقد أراد الملك الرحيم ان يحافظ على وعده في مصافاة طغرلبك . وقع الصدام الدموي خارج بغداد بين الثائرين وبين جيش طغرلبك ، ولم يلبث هذا الجيش ان تغلب على الثائرين بعد مقتلة عمت الفريقين ، فانطلق الجيش السلجوقي ينهب ويسلب كل ما يمر به من متاجر ومنازل ، فاخذ الناهبون من الأموال ما لا يحصى - على تعبير ابن الأثير - ثم يقول ابن الأثير : واشتد البلاء على الناس وعظم الخوف وتعطلت الجمعات . هذا في بغداد نفسها . اما في غير بغداد فيقول ابن الأثير ( ص 613 ) : وانتشر الغز السلجوقية في سواد بغداد فنهبوا من الجانب الغربي من

--> ( 1 ) النهروان بلدة اندرست وكانت على صدر نهر النهروان جنوبي بغداد . ( 2 ) هو أبو أحمد عدنان بن الشريف الرضي ولي النقابة بعد وفاة عمه الشريف المرتضى سنة 436 واستمر حتى توفي ببغداد سنة 449 .